إدارة الدولة وأليكسا

ليست هذه المرة الأولى التي يتعرض الأردن في تاريخه لمنخفض جوي، فمن قبل تعرض الأردن لمنخفضات أكثر قوة من المنخفض الذي عشناه في الأيام السابقة، وحتى تعرض لأمطار شكلت سيولا وصلت لدرجة فيضانات اجتاحت منازل وأضرت بأرواح وممتلكات.

الفرق هذه المرة أن الأردنيين طوروا من نظرتهم لآداء إدارة الدولة، والتطور كان في تفعيل استخدام وسائل الإعلام المجتمعي لمتابعة آداء أجهزة الدولة وانتقاد التقصير الحاصل في أي جانب والتركيز عليه ونشره بين الجميع (وما أعني بأجهزة الدولة هي المؤسسات الحكومية والمؤسسات التي للحكومة كلمة فيها)، فالأمر لم يعد اقتصار التغطية الإعلامية على التلفزيون الأردني ومراسليه الذي لا يوصل في العادة إلا وجهة نظر المسؤول فيكون كلامه هو الحقيقة ولو خالف الواقع، فكل مواطن أردني أصبح اليوم كما اصطلح عليه مواطن صحفي يغطي الشارع الذي يحيط بمنزله وينقل آخر المستجدات في منطقته وفي الحارة وهذا يرافقه وصف للخدمات الحكومية وآداء أجهزتها في هذه المرحلة.

خلاصة الأمر أن الأردنيين تطوروا في الإدارة في جانب المراقبة ومحاسبة الحكومة على إدارة الدولة أكثر بكثير من تطور الحكومة وأجهزتها في الإدارة في جانب الآداء، واستمرار هذا التفاوت في سرعة التطور سيشكل فجوة كبيرة بين مستوى الخدمة المتاحة ورضا المواطنين مما يعني تقديم خدمة لا ترقى لمستوى رضا المواطن، وهذه الملاحظة ليست مرتبطة فقط بمراقبة الآداء الحكومي، بل هي درس يجب أن يستفيد منه الجميع نوابا وأحزابا ومؤسسات بأن الأردنيين لم يعد ينطوي عليهم الكلام بدون العمل وهم مستعدون لمحاسبة أي مقصر.

ضجر الأردنيون كان واضحا من أداء مؤسسات الحكم المحلي المتمثلة بالبلديات وأمانة عمان بالإضافة للجهات الحكومية كوزارة الأشغال والبلديات وشركات توزيع الكهرباء في المنخفض الجوي الأخير، وكان واضحا وجليا الدور المهم الذي قامت به مؤسسة الجيش والأمن العام والدرك والدفاع المدني في فتح الطرق والوصول للمناطق المعزولة بطائرات الهيلكوبتر التي ألقت أكياس فيها الخبز للمواطنين -على الهامش كانت بعض الشكاوي بأن لون الكيس أبيض مما يعني صعوبة إيجاد الإبرة في كومة القش- مع العلم بأن فتح الطرق ليست من وظيفة الجيش ولا الدرك ولا الأمن العام ولا الدفاع المدني، وبالأصل حسب الاختصاص أن يكون التدخل محدد من قبل الدفاع المدني في الإغاثة والأمن العام في تنظيم السير والطرقات والدوريات الخارجية، وفي أغلب دول العالم الجيش تدخل في حالة الأزمات الطبيعية عند حدوث كوارث كزلازل وفيضانات والتي تحتاج في هذه الحالة إلى كوادر منتظمة منظمة مضحية الأمر الذي لا يتطابق مع المنخفض الجوي الأخير الذي لا يوصف بأنه كارثة طبيعية.

الأردنيون شعروا بأن مؤسسات الدولة الحكومية لم تؤد الواجب الذي عليها بل في نظر البعض خذلتهم مع أنه معلوم أن الإدارة العامة في الأردن هي عصب الدولة وهذا العصب أصبح مؤخرا يواجه الكثير من الأمراض كالترهل وعدم التطور وهذا توصيف تم التطرق إليه مؤخرا من قبل رئيس الوزراء في حفل توزيع جوائز الملك عبد الله للتميز.

أكبر تخوف من شعور الأردنيين بعجز وضعف مؤسسات الدولة عن آداء واجبها هو تشكل قناعة بأنها أصبحت ضعيف وعاجزة ولم تعد تستطيع أن تتدخل حين وجوب تدخلها بل لم تعد قادرة أن تقوم بواجبها وأن الأردني وجب عليه أن يفكر بسبل أخرى لتجاوز الأزمة، فالأردنيون هذه المرة قد قاموا باستئجار الجرافات لفتح الطرق ومن لم يستطع أن يستأجر جرافة تعاون مع أهل الحي لفتح الطريق، وفي النهاية كان هنالك شعور لدى الأردني بأن الدولة تخلت عنه في هذه الأوقات، أما المصيبة الأخرى التي قد تكون موجودة فهي أن مؤسسات الحكومة والحكومة بنظرها قد تكون قامت بواجبها وزيادة وأن المواطن يطلب المزيد وهنا نحن بحاجة لإعادة كتابة عقد الواجبات والحقوق بين مؤسسات الدولة والمواطن.

بقدر سعادة الناس واعتزازهم بدور المؤسسة العسكرية كجيش وأمن عام ودرك ودفاع مدني في المنخفض الجوي الأخير يوازيه قلق وانزعاج من غياب مؤسسات الحكومة وإدارة الأزمة عن إتمام واجبها وهذا أمر لا يجب أن يمر مرور الكرام مع جرعة تذمر وإجراءات شكلية وأن يتم التعامل معها فقط بإقالات ومحاسبات فقط بل يجب الإجابة على سؤال لماذا حصل ما حصل؟

وكيف نضمن أن لا يتكرر ما حصل؟
هل ما حصل من تقصير مرده بأن هنالك مشكلة إدارة في إدارة موارد الدولة وقت الأزمات؟

أم أن موارد الدولة لم تكن كافية لتواجه هكذا أزمة؟

أم أن الدولة ليست دولة مستعدة لمواجهة الأزمات؟

مؤسسات الدولة الأردنية في النهاية ليست ملكا لأحد بل هي أنشئت بجهد ومال الأردنيين وتقصير آداء مؤسساتها إن كان يسجل على فشل مسؤولين فضرره أكبر على المواطنين، ونجاحها بالنهاية في تحقيق واجباتها إن سجل برصيد أحد في النهاية أول من يسعد بهذا هم الأردنيون، فخلاصة الأمر “لأجل الأردن والأردنيين قيّموا ما حدث”.

من أرشيف هبة نيسان

في الخامس عشر من نيسان قرر مجلس الوزراء برئاسة رئيس الوزراء آنذاك زيد الرفاعي تعديل أسعار بعض المواد والسلع، وذلك تنفيذا لقرار المجلس بمعالجة العجز في الموازنة بزيادة واردات الخزينة وضبط النفقات، حيث أن مجلس الوزراء وبعد أن اطلع على تنسيبات لجنة المالية والتخطيط والتجارة والصناعة والتموين، وافق على تعديل أسعار السلع التالية: اسطوانة الغاز من دينار و800 فلس إلى دينارين، لتر البنزين الخاص من 210 فلسات إلى 270 فلسا، لتر البنزين العادي من 180 فلسا إلى 220 فلسا، وقود الطائرات والسولار والكاز من 65 فلسا للتر إلى 75 فلسا، كما قرر زيادة الجمارك على المشروبات الكحولية وتعديل أسعار المشروبات الغازية، والمعدنية وأسعار السجائر، وتعديل رسوم ترخيص وتسجيل المركبات.

القرار المذكور أعلاه أدى إلى ما اصطلح عليه بين الأردنيين بـ”هبة نيسان” والتي بدأت صباح يوم الثلاثاء الموافق 18 نيسان في مدينة معان، والذي قاد إلى تحول اقتصادي وسياسي في الأردن.

في هذه المدونة أحاول جاهدا أن أقدم شيئا من الأرشيف الخاص بهذه الأحداث والتي لم يروى عنها الكثير ولم يوثق الكثير لها، بل أن الوصول لمعلومات تفصيلية عن هذه الأحداث شيء صعب في ظل غياب المراجع والمصادر.

قمت هنا بالرجوع إلى مصدرين قاما بتغطية أحداث هبة نيسان المصدر الأول هو مجلة الأردن الجديد التي كانت تصدر من قبرص عن “دار الاهالي” التابعة للجبهة الديموقراطية ويكتب فيها العديد من الكتاب والباحثين أبرزهم هاني الحوراني وموفق محادين ومحمد المجالي وسودي الروسان، والمصدر الثاني هو جريدة The New York Times الأمريكية التي غطت الموضوع، وقد وجدت أنها تحدثت عن الهبة في ثمانية إصدارات يومية للجريدة.

عندما تتصفح هذه الصفحات وأنا أرجو من الجميع أن يتصفحها سيقرأ أسلوب تعامل الشارع مع الأحداث، والخطابات التي صدرت والمعتقلون وردات الفعل والشهداء الذين راحوا ضحية الهبة، والحالة التي تشكلت وإدارة الملك الحسين رحمه الله للأحداث.

 

تاليا رابط تقرير مجلة الأردن الجديد عن هبة نيسان:

تقرير مجلة الأردن الجديد عن هبة نيسان

روابط تقارير The New York Times لأحداث هبة نيسان ابتداء من 20/4/1989 إلى تاريخ  27/4/1989 من موقع الجريدة على الإنترنت:

http://www.nytimes.com/1989/04/19/world/price-riot-in-jordan.html

http://www.nytimes.com/1989/04/20/world/5-are-killed-in-south-jordan-as-rioting-over-food-prices-spreads.html

http://www.nytimes.com/1989/04/21/world/jordan-s-revolt-is-against-austerity.html

http://www.nytimes.com/1989/04/22/world/unrest-in-jordan-gains-islamic-tone.html

http://www.nytimes.com/1989/04/23/world/jordanian-prince-rebukes-leaders.html

http://www.nytimes.com/1989/04/24/world/hussein-goes-home-in-riot-aftermath.html

http://www.nytimes.com/1989/04/25/world/jordan-s-prime-minister-resigns-as-hussein-moves-to-stem-crisis.html

http://www.nytimes.com/1989/04/27/world/hussein-goes-on-tv-and-vows-an-election.html

 

 

ما لم نشاهده في فيديو ما لم تشاهده في خطاب العرش

مؤخرا بدأ تقديم العديد من فيديوهات زيارات جلالة الملك وخطاباته وجولاته بإخراج فني متقدم وراقي، وآخرها الفيديو الذي كان يصور لقطات حصرية ليوم خطاب العرش في افتتاح مجلس النواب والذي يظهر في الفيديو لقطة للملك وهو مع أبنائه والملكة رانيا أثناء ارتدائه للبدلة التي سيلقي فيها خطاب العرش، وبعدها وهو يحمل سمو الأمير هاشم.

الفيديو الذي كان أحد عناوينه ” الملك عبدالله الثاني مالم تشاهده في خطاب العرش (نادر) ” وصف على المواقع الإخبارية بأنه التقط ووضح مشاهد إنسانية لم تنشر في هذه المناسبة الوطنية، والذي نال مشاهدات هائلة على شبكات التواصل الاجتماعي.

الذي يجذب الإنسان في هذه الفيديوهات هي التركيز على إنسانية الملك، والإنسانية هي جزء مشترك بين كل إنسان، فبعض المشاهد التي ظهرت هي نعيشها يوميا في داخل الأسرة الأردنية فالأب يحمل ابنه، والأبناء يفرحون بأبيهم، إلا إن كنّا لا نتوقع أن يكون الملك إنسانا مثلنا رغم الخطاب الذي يدور دائما حول “الملك الإنسان أو ملك الإنسانية”، وربما وصلنا لدرجة من عدم الموضوعية في النظر إلى شخص الملك أن ظننا أن إنسانية الملك هي غير إنسانيتنا رغم أننا نطلق اسم الإنسان على المواطن والملك.

الملك هو إنسان مثل أي إنسان على هذه الأرض يفرح ويحزن، يضحك ويغضب، يأكل ويشرب، يحب ويكره، ينزعج ويتحمل ويصبر ويتعب، يقلق ويرتاح، يحن ويعطف، يحلم ويحبط، يصيب ويخطئ وهذا ليس بكلام جديد ولا جريء ولا شجاع ولا اكتشاف علمي جديد بل هي حقيقة مسلم به.

وبناء على حقيقة الإنسان والإنسانية فالتفاعل متوقع والاهتمام يكبر ويزداد عندما نرى فيديو للملك يظهر إنسانية الإنسان، وليس السبب هي أفعال إنسانية جديدة بل لأن الملك هو من فعلها، والطبيعي أن تكون في حياته سواء كانت هنالك كاميرا تصورها أم لا.

ولكن غير الطبيعي أن نركز على حقيقة الإنسان والإنسانية في جوانب وننساها ونتناساها في جوانب أخرى، فنركز على الإنسان مع الفقير والابن والمسؤول والفعاليات الشعبية، وننسى الإنسان صاحب السلطة الذي قد يصيب ويخطئ، المشكلة في أن تطلب منّي أن أعظم هذه الإنسانية في هذا المشهد الذي يتشارك فيه ملايين المشاهد المشابهة وتقنعني أن أغفل عن مشهد الإنسان الذي قد يخطئ لطبيعته بأنه إنسان بل وأن تدافع باستحالة الخطأ عند هذا الإنسان.

 تصدر مشهد المواقف الإنسانية للصورة التي يقدم بها الملك، وجعلها هي الصورة الوحيدة والحصرية وتقديمها على صورة الملك المسؤول الذي يملك السلطة ويتحمل المسؤولية، ويصدر القرارات ويختار رؤساء الوزراء ومؤخرا سيختار من يتشاور مع النواب لتشكيل الحكومة هو أسلوب لتبديل ترتيب الأولويات، ويضاف إليه أن تصبح الصورة الأهم هي صور الإنسانية وفيديوهاتها -ولا أقصد هنا الانتقاص أو انتقاد أو المطالبة بإلغائها لا سمح الله- ولكن جعل الصورة الحقيقية الواقعية بهذه البساطة وتحويلها فقط إلى أعمال فنية تخضع لرغبة منتج الفيلم الذي يستخدم Sony Vegas pro أو Adobe Premiere  هو استغفال للواقع ولعيون المواطن وبالنهاية ليرتاح لسان حالنا قائلا الحمد لله الأمور بخير.

صورة الملك ستكبر بعيني عندما يحاسب الفاسدون، وتستعاد أموال الوطن ومقدراته، ويغير نهج التعامل مع الواقع والمشاكل، وننطلق بوضوح وتفصيل بعيدا عن خطابات النقاط بدون حروف إلى الأردن الذي نحلم به، وغير هذا كله مجرد صور وأفلام.

 

مولاي

في يوم الأربعاء 19/12/2012، كانت لي فرصة تاريخية في حياتي بأن أكون من بين إثنين وأربعين شابة وشابا التقوا مع جلالة الملك عبد الله الثاني بضيافة الدكتور خالد الكركي.

في الحياة توجد فرصة لا تتكرر إلا مرة واحدة ومنها على سبيل المثال أن يسمح لك بأن تتكلم بدقيقتين أمام الملك عبد الله، ولهذا كانت ليلة الأربعاء ليلة عامرة بالتفكير والعصف الذهني لأخرج بخلاصة ما أرغب بأن أقول له، وماذا أريد أن أوصل له من رسالة، وما القضية الأولى بالحديث عنها، والكلمات الأنسب والأقرب، وبكل صراحة الكلام أمام الملك مسؤولية، فاختيار كل فرد في هكذا لقاءات وخصوصا من الشباب الهدف منه إيصال صوت الشباب، والأمانة والإخلاص وصدق الولاء للملك تتضمن أن تقول له نصيحة وتنقل له الواقع، وكل هذا مع تضمين أدب الخطاب بما يناسب المقام.

بعد أخذ ورد مع نفسي وكلماتي ومداد قلمي، حددت الفقرات والجمل والكلمات والأحرف وعلامات الترقيم التي أريد أن أتحدث فيها، فطبعت مداخلتي في ورقة، لثلاثة أهداف أولهم أن يكون كلامي واضحا ودقيقا فبرأيي زيادة أو نقصان حرف قد تغير المعنى، وثانيا لأنه قد لا تتاح لي الفرصة للحديث وهنا تكون عندي فرصة أن أسلم مداخلتي باليد للملك، وثالثا لأني خفت عند تحدثي للملك أن “انعجق وأخربط فأشرق وأغرب” فتضيع الطاسة.

عندما دخل الملك عبد الله إلى القاعة وتحدث حول رؤيته وتصوره للقادم، فتح باب المشاركات للشباب للاستماع إلينا، فكانت لي الفرصة أن أكون أول المتحدثين، وبعد التعريف عن نفسي، قلت التالي بالحرف:

“سيدي أبتدئ مداخلتي بأبيات شعر قالها عرار في حضرة الملك عبد الله الأول رحمه الله يقول فيها:

مولاي شعبك مكلوم الحشا وبه من غَضِّ طرفك والنسيان داءان
وليس ترياقه يا سيّدي وأخي ، في ناب صَلٍّ ولا في سِنِّ ثعبان
مولاي ! إنّ المطايا لا تسير إلى غاياتها، إن علاها غير فرسان

سيدي إنهم يضعونك بمواجهة أحلام الناس وكرامتهم وجوعهم وحريتهم، وإلا فما معنى أن يخرج الأردني ليصرخ من ألمه وجوعه واستردادا لمقدرات وطنه، فيسجن ويضرب ويتهم بالتطاول على مقامكم أو بتقويض نظام الحكم، ومن سرق ونهب ما زال يصول ويجول ويتصدر المنابر، إن من يفعل هذا يا سيد البلاد إما أحمق وإما خائن يريد أن يوقع بينك وبين شعبك لأن الأردني لا يصبر على الظلم والقهر والفقر.

يا سيدي..الشعب الاردني يستحق المزيد من الخطوات الإصلاحية، فهو مقتنع تماما أن الأمور بيدك، وأنك الوحيد القادر على إخراج الأردن من هذه الأزمة،  والشعب الأردني سيكون مساندا لك في خطواتك الإصلاحية، وما خسر حاكم راهن على شعبه، وجلالة الملك أنت أقوى شخص في الدولة الأردنية، وسأكون معك صادقا لأقول أن العديد من أبناء الشعب الأردني لم يعودوا مقتنعين بالخطاب المتمثل بأن ما حدث ويحدث سببه البطانة الفاسدة وعدم إيصال المعلومة الصحيحة لجلالتك، وأصبح يقتنع الكثير ويترسخ لديهم أنك تتحمل جزءا ليس بسيطا من المسؤولية، وإن كان الدستور يعفيك فقلب المواطن ليس الدستور.

جلالة الملك أود أن أختم فأقول أنا لست بعبقري في السياسة ولا مسؤول حكومي كبير، ولا شيخ عشيرة ولا أمين عام حزب، ولا ناطق باسم حراك، لكن نصيحة من شاب أردني بسيط قد تكون هذه المرة الوحيد التي تلتقي به، بأن شعرة الثقة والأمل بين الكثير من أبناء الشعب ومؤسسة الحكم بدأت تضعف، فناشدتك واستحلفتك بالله أن لا تقبل بأن تنقطع، لأنها قد قطعت بنظر البعض.

وفقك الله لما فيه خير الأردن والأردنيين”

انتهت مداخلتي، وبعدها كانت هنالك مداخلات من الشباب، ومن أبرز المداخلات مضمونا ومحتوى مداخلة الصفحي حسن التل الذي تحدث عن أهمية التثقيف والذي هو المرحلة المهمة التي يجب أن نطبقها في التعليم، وكذلك عن وضع الإعلام الرسمي والمحلي، وكذلك مداخلة الدكتور شيرين حامد حول التعليم بشقيه المدرسي والجامعي والتي لاقت اهتماما بالانصات من قبل الملك، ومداخلة الصديق ناصر قلعجي عن حال الإعلام الرسمي وحاجتنا للحديث عن تاريخ الأردن وإنتاج مواد فنية عن National Heroes.

عندما انتهى اللقاء مع الملك، أصابتني حالة حوار مع نفسي، تسألني فيها: هل قلت ما يجب أن أقوله؟ ولو عدت بالوقت مرة أخرى هل كنت لأقول شيئا آخر؟ هل أوصلت صوتا من أصوات الشباب الأردني؟ وكان السؤال الأبرز الذي لا أملك الإجابة عليه: هل ما قلته له أي أثر؟

وفق الله الأردنيين لما فيه خير الأردن.

قوننة صلاحيات الملك

في الثامن من كانون الأول، عهد الملك عبد الله إلى رئيس الوزراء عبد الله النسور برئاسة لجنة ملكية لتعزيز منظومة النزاهة. تضاف هذه اللجنة إلى الرصيد السابق من اللجان التي تشكلت ضمن توجيهات ملكية سامية، يذكر منها، على سبيل المثال لا الحصر، لجنة الحوار الوطني واللجنة الملكية لتعديل الدستور ولجنة الأجندة الوطنية، وتنضم كذلك إلى مجموعة من الرؤى الملكية السامية التي سبقتها على شكل توجيهات شفوية أو رسائل خطية أو تصريحات صحفية أو كتب تكليف سامي.

في الآونة الأخيرة ظهر مصطلح ضمن مطالب الإصلاح الحالية أخذ عنوان (أو كما راه البعض) “سحب صلاحيات الملك”. أنا هنا لا أريد أن أدعو إلى سحب صلاحيات الملك، لكي لا أتهم أنني مع الوطن البديل كما قال رئيس مجلس النواب السابق، ولا أخل بالاتزان والتوازن والشمولية التي تضفيها هذه الصلاحيات، ولا أهاجم بأنني أنصب نفسي متحدثا باسم الشعب  وأعتلي إرادته وأركب أمواج رغباته، هذا الشعب الذي ما فتئ جزء منه يرفض أن يستعيد صلاحيته هاتفاً ”الشعب يريد سيدنا أبو حسين”.

لكن الحقيقة التي لا جدال فيها، أن الدستور والتشريعات الأردنية قاطبة، تخلو مين أي مواد تعنى بتشكيل اللجان الملكية وحدود عملها وأوجه تنفيذ رؤاها وإلزامية نتائجها وضمانة تطبيقها وحسن إخراجها وتفاعل جميع المؤسسات مع التوجيهات الملكية السامية التي ترجمتها اللجنة في مخرجاتها، لا بل وتخلو من الأهم وهي القوانين التي تقيم عمل اللجان وتحاسب المقصرين ممن فشلوا في مواكبة الرؤية الملكية. وبالتالي فإن الأمانة والحرص تقتضي قوننة صلاحيات الملك، فليس من المعقول أو المقبول أن تكون هنالك رؤى وتوجيهات وتوصيات ورسائل وكتب تكليف سامية تصدر من رؤية ملكية ثاقبة، يكون مصيرها الإهمال والتقاعس عن التطبيق والتنفيذ، وحتى المخالفة الصريحة أحياناً.

الهدف الأساسي من قوننة صلاحيات الملك أن نتجنب تكرار الفرص الضائعة. فلجنة مثل لجنة الأجندة الوطنية تعمل لأشهر على وضع استراتيجية طويلة الأمد في للدولة الأردنية في كل المجالات وفي صباح اليوم التالي تصبح ورقاً على الرف كأنها لم تكن. ولجنة الحوار الوطني تمضي شهوراً لإعداد قانون انتخاب ليخرج علينا بعدها رئيس وزراء ويقول بأن اللجنة لا تمتلك أي صفة دستورية لكي نلتزم بمخرجاتها. وتصل رسالة ملكية إلى رئيس وزراء قبل أكثر من ثمانية عشر شهراً توصي بإغلاق المكاتب الأمنية في الجامعات ووقف تدخل الأجهزة الأمنية فيها لحث الطلاب على الانخراط في العمل السيايسي والانتخابات، ويعد رئيس الوزراء بتنفيذ الرؤية، وبعدها ببضعة أشهر يتم إعتقال طلاب من داخل الحرم الجامعي أمام عيون الأمن الجامعي بحجة توزيع  الطلبة “لمنشورات”. أما الإفراج عن موقوفي الحراك عند أمن الدولة فلن يعد تدخلاً في السلطة القضائية ولا صلاحيات القضاة في حالة قوننة الصلاحيات، كما أن الضمانات الملكية التي تصدر لنزاهة الانتخابات ستصبح ذات معنى ولن يسمح القانون بانتهاكها من قبل جهات ما.

بالمحصلة، فإن وضع توجيهات جلالة الملك في الأطر القانونية التي تستحق تعني ببساطة ترجمة الطرح الراقي والكلام الجميل والرؤى التي نحلم بها في كتب التكليف واللقاءات التلفزيونية والمقابلات الصحفية والخطابات والرسائل الرسمية إلى نتائج على أرض الواقع، فيتم تنفيذها على أكمل وجه، وبشكل حقيقي، و بدون شبهات فساد، على طريقة مشروع سكن كريم لعيش كريم.

وضع صلاحيات الملك بقانون يحاسب المقصر والمتخاذل (وكل من قال لنفسه حينما سمع التوجيهات الملكية  ”تسك”) تضمن للوطن والشعب تنفيذها بالشكل الصحيح، كما تقطع الطريق على كل من يشكك بمصداقية وإلزامية هذه الرؤى والتوجيهات، ويصبح كله قانوني، فلا تملك الفعاليات الشعبية والوطنية إلا أن تزيدها إشادة، فاقت كل الإشادات السابقة. هذا على الأقل هو النمط من التفكير والتنظير الذي يمكن للمرء أن يلجاً إليه ليضيف إطاراً وردياً أولمسة تجميلية على الواقع الحالي الذي لا يرضي الحالمين ولا الطامحين برتبة أسمى لهذا الوطن.

في عيونهم

وكثير حتى الآن لم يروا في عيناه اللتان أنعم الله عليه بهما
ولم يتعلم بعقله وعلمه الذي وهب الله فرصة في حياته أن يتعلم ويتخرج من أرقى الجامعات
ولم يتخيل رغم سياحته في بلاد الله واختلاطه في مجتمعات الحداثة والديموقراطية والتقدم والفهم والريادة
ولم يقتنع رغم قناعاته الراقية وإيمانه بالحريات المطلقة والإنفتاح الإجتماعي
ولم يؤمن رغم إيمانه وامتلاكه لمصطلحات لا يمتلكها إلا منظروا الغرب الراقين

هؤلاء لا يرون ولا يتعلمون ولا يتخيلون ولا يقتنعون ولا يؤمنون
بوجود إنسان أردني متجرد
قد يغضب…قد يقلق…قد يصرخ…قد يهيج…قد يهب…قد يحب…قد يريد…قد يرغب…قد يحلم…قد يسأم…قد ينتفض…قد يتضجر…قد يسأم…قد يهدأ…قد يقول…قد يهتف…قد يهاجر…قد يتألم…قد ينتمي…قد يوالي…قد يحترق…قد ينسى…قد يهوى…قد يبكي…قد يدعو…قد يسبح…قد يؤمن…قد يدمع…قد يفرح… وقد وقد وقد

مازال الأردني في عيونهم غير موجودا
ومختفيا خلف الصور المنتشرة في الشوارع
والدعايات التي “أنا مع زين” “ومعيش أحلق بس معي أحكي ببلاش” “إنتمى”
ما زالت الأغاني متجاهلة للفظه
وأصوات ألحانها يعلو فوق صوت أحلامه وأنينه وأفراحه وأتراحه

لا يرون في هذه الجميع وجهه الأسمر
وعيناه المتلونتان
لا يعرفون أصلا ملامحه

شيباته التي ارتسمت على شعره المغبر لا يعرفون لونها
ولهجته التي تحكي تعثره بمآسي الزمن لا يفهمون معانيها

رسموا صورته في صفوف المصفقين
والمعيشين والحامدين لمكارم المولى المعظم

أو بين شعرات لحية ذلك “الشيخ”
وخمار تلك المرأة…وفوق ذلك البك أب الأزرق
صوته أهملوه وأنصتوا لأصوات المكبرات
ولون شماغه الأحمر غضوا عنه البصر وأعجبهم أحمر الرفاق

لا يتصورون أنك قد تغضب لأنك تريد أن تغضب
لا يتصورون أنك قد تحب لأنك تريد أن تحب
لا يتصورون أنك قد تأسى لأنك تريد أن تأسى
لا يتصورون أنك قد تنزل الشارع لأنك تريد أن تنزل الشارع
لا يتصورون أنك قد تفعل لأنك تريد أن تفعل

ما زالوا يتصورونك كائنا حيا…يريد أن يسكن ويأكل…ولكن أن تريد شيئا آخر
فما زلت في تصورهم دون هذه الإرادة
وأنت لا تريد بل غيرك يريد عنك
باختصار إنهم يؤمنون بوجود الله ولا يؤمنون بوجودك

حفظ الله الأردن دولة وأرضا وشعبا ومؤسسة

الشيطان الأخضر

في أحد الندوات التي كانت تناقش قانون الإنتخابات أدى أحد النواب مداخلة مفادها أنه يجب الإنتباه في أي قانون انتخاب من أن يسمح للإخوان المسلمين في الأردن بحصد الأغلبية، فاقترحت على سعادته أن تصدر تعليمات تمنع الإخوان المسلمين من الترشح للإنتخابات النيابية القادمة والتي تليها لكي يتوفر لغيرهم فرصة حصد المقاعد وتشكيل مجلس نيابي ملون بعيدا عن الإخوان المسلمين الذي إن حصدوا نسبة جيدة من المقاعد فبسبب ناخبين لا نعلم من أين اتوا!

وفي أحد الحوارات التي جرت بين عميد شؤون الطلبة في إحدى الجامعات قبل سنوات وطلبة الإتجاه الإسلامي حول قانون إنتخاب إتحاد طلبة الجامعة ، قال العميد وقتها أنه يتمنى لو تتمكن إدارة الجامعة من وضع مادة في القانون تمنع الإتجاه الإسلامي من حصد أغلبية مقاعد اتحاد الطلبة.

وهكذا تتضح الرؤية يوما بعد يوم وينقشع الغبار وتضيئ أشعة الشمس الأسبار لتكشف لنا حقيقة مفادها، أن الإخوان المسلمين في الأردن هم التحدي الأكبر في وجه الدولة الأردنية، ولن يجدي وضع قانون يمنع نيلهم الأغلبية أو منعهم من الترشح للإنتخابات، بل حان الوقت وخصوصا أننا نعيش الإستحقاق الإصلاحي الموسمي في هذه المحطة التاريخية الفارقة من مسيرة الوطن أن نتوقف عن إتخاذ قرارات أنصاف الحلول أو “الترقيع” بل حان موعد الحسم.

وهنا وبعد عصر خلاياي الدماغية توصلت للحل التالي، ألا وهو أن يتم تجميع جميع أفراد جماعة الإخوان المسلمين وعزلهم إما في منطقة محددة أو بناء مدينة لهم، أو مخيم، أو نفيهم إلى ولاية ألاسكا في أمريكا، أو إلى قمة الأفرست في الهمالايا، وخصوصا أنهم جاؤوا “ما بعرف من وين”، ولأن المرحلة القادمة للوطن لا ينفع فيها التساهل والتراخي.

قد يستغرب الكثيرون من هذا الحل، ولكن لهذا الحل فوائد كثيرة جدا، أولها أن المديونية الداخلية والخارجية التي تواجه الخزينة ستختفي في ليلة وضحاها كيف لا وهم المسؤولون عنها، حتى أن التبعية الإقتصادية لـ “الإمبريالية” الأمريكية ستزول وسيصبح الإقتصاد حرا معتمدا على ذاته وكل مقدرات الوطن التي بيعت في ليلة البدر ستعود وملفات الفساد سيعاد فتحها خصوصا أنها أغلقت بفضل مجلس النواب الذي أغلبيته من الإخوان المسلمين، والسلطة القضائية وهيئة مكافحة الفساد “رح تتناول الفاسد من ذانه” وتعود لتحول يوميا ملفات الفساد بعدما تدخل المكتب التنفيذي للإخوان في عملها “وظبظب على كل السواليف”.

أما عن الوطن البديل فسيصبح بعد سنوات عبارة لا يعرف الناس من أين جاءت ولا ما معناها وخصوصا أن الإخوان وخلفهم المؤامرة الصهيونية الأمريكية القطرية التركية الكوستاريكية كانوا جميعا روادها على الأردن، وهكذا ستصبح مقالات ناهض حتر تتحدث عن موسم قطاف الزيتون وأنواع التين وسيختفى من مضمونها كل مؤامرات الوطن البديل والحديث عن النهج النيوليبرالي والكومبرادور، كيف لا والإخوان المسبب الرئيسي لهذه الأعراض قد رحلوا إلى ألاسكا، وفك الإرتباط سيقونن وسحب الجنسيات سيتوقف ومنح الجنسيات على “الطالعة والنازلة”  سيصبح محال.

حتى الطاولات سيقل عددها في الأسواق لأنها كانت تستخدم للصففات التي تتم من تحتها بين الإخوان والحكومات المتتالية، أو حتى مع الإدارة الأمريكية والسفارات الأجنبية، وهذا بحد ذاته سيقودنا إلى مرحلة إستقلالية القرار الأردني وعدم تدخل أي سفارة أو أي دولة عظمى كانت أم صغرى في السياسة الداخلية الأردنية وخصوصا أن الإخوان المسلمين هم من كانوا “اللي معطينهم العين”.

الصحف والجرائد وأعمدة المقالات والمواقع الإخبارية ستنعم بحرية سقفها مجرة درب التبانة، وكل المواقع التي كانت تبتز أو تمتهن إختلاق الأكاذيب والشائعات ستذوب والسبب أن الإخوان المسلمين الذين كانوا يمولون هذه المواقع رحلوا بلا عودة ولم يعد بالإمكان دعوة الصحفيين إلى دائرتهم للطلب منهم أن يكتبوا عن هذا المسؤول، والتدخل في الإعلام سينقرض ويصبح طرفة أو قصة تروى للأطفال قبل المنام، حتى جريدة الرأي ستعاني الملل وستشتاق للتحدث عن الإخوان ومخططاتهم ومؤامراتهم فعين الرأي ماذا سترى بعدهم ولكن يواسينا أن زاوية رأينا ستصبح زاوية رأيكم بعدما أن كانت حكرا على الإخوان المسلمين.

“الحشد المقدس” سيتحول من الجامع الحسيني إلى حقول القمح والمصانع وستزداد الإنتاجية حيث أن إضاعة أوقات المواطنين في المسيرات والإعتصامات التي كانت تنفذها الجماعة بدون أي سبب أو فائدة ستنتهي وحتى منسوب الأمن والأمان سيزيد لأن أفراد الأمن العام الذين كانوا حريصين على تأمين فعالياتهم سيتفرغون أكثر للأمن الداخلي.

الحقوق العامة والحريات ستتجاوز بمعاييرها أرقى الدول وخصوصا بعد رحيل من وضع المادة 308 في قانون العقوبات ورفض إضافة لفظ الجنس في التعديلات الدستورية، حتى قانون المطبوعات فسيصبح نصبا يوضع في الدوار الرابع ليتذكر كل من مر بسيارته من هناك هذه المرحلة الرجعية في تاريخ الفضاء الإلكتروني، ولا تقلقوا فحتى السيج الذي نصب حول الدوار الرابع سيرافقهم إلى مستقرهم الجديد.

صورة عمر العبدلات بابتسامته الجميلة ستصبح بدل صورة زكي بين إرشيد في بوستر التسجيل للإنتخابات، والإصلاح في الأردن سيتخلص من الأجندات الخارجية التي جلبها الإخوان من بقاع الكواكب الأخرى وسنستبدلها بالأجندة الوطنية، نعم الأجندة الوطنية التي كانت مشروعا وأجهضه تدخل الإخوان وتسلطهم، وحتى المحافظات التي همشت لسنين بقرارات إخوانية ستنعم بتنمية لا مثيل لها، وستصبح مثل العاصمة عمان إن لم تكن أجمل.

واطمئنوا فالشجرة التي صعد عليها الإخوان وأثقلوها بأوزانهم “رح يطيحوا عنها” وسترتاح وتثمر، وسيصطف الجميع كتفا بكتف ليغنوا معا “ما أحلى أن نعيش في خير و سلام…ما أحلى أن نكون في حب ووئام…لا شرّ يؤذينا لا ظلم يؤذينا…و الدنيا تبقى تبقى أمان للجميع”.

وختاما كل ما قصدت أن أوصله في كلماتي وأحلامي أعلاه، أن الحياة في الأردن بدون الإخوان المسلمين ستكون وردية.

 

أدون من أجل الأردنيين

لم أكن أود أن أكتب في هذا اليوم الذي يتداعى فيه مجموعة من المدونين للكتابة من أجل الحرية لما اصطلح بتسميته بمعتقلي حرية الرأي أو المعتقلين السياسيين، والأسباب عديدة ومن أهمها أن الروقان لكي أكتب لم يكن متوفرا لا أعرف لماذا لكنها ربما بسبب مشاغل الحياة وعجقاتها، ولكن بكل صراحة يكون هنالك أسباب أخرى منها أنني أرى أن الإعتقال ليس مشكلة يعيشها الآن المعتقلون، فكما تواتر بالنقل بأنهم يعيشون حالة من الصفاء الذهني والراحة النفسية وعدم القلق من أي شيء أو حتى الخوف، فكيف تصاب بهذا كله إلا عندما تكون أنت بالسجن، الذين في الداخل يعيشون بعيدا عن الأخبار التي ترفع الضغط أو التعليقات التي ترفع عندك منسوب الخيبة أو حتى آذانهم لا يصلها الخطاب الذي أكل الدهر عليه وشرب، وهذه كلها تصب في مصلحتهم.

ولكن الذي دعاني أن أدون فعلا هو من أجل الأردنيين الذين هم في خارج الإعتقال السياسي! وإن سألتموني لماذا؟ أو هل إنت بتحكي من عقلك؟ سأجيب نعم.

أنا سأكتب لأنني اعيش حالة قلق من هذه الإنتقائية، أو التفسير المزاجي، أو إزدواجية الإدعاء، أو إمكانية التدخل في القضاء، أو الزج أكثر بمواجهة أفراد الأمن بأفراد الشعب، هذا ما يدعوني أن أقلق.

ألا يستحق قرابتي المواطن أن تقلق لأن أحدهم رفع يافطة اتفقنا أم اختلفنا أم تهاوشنا أم تجادلنا أم تحاورنا بأجلها يواجه تهمة “يمكن تجيبه كتاف” بينما من خصخص البلد بطريقة لم تجلب لنا أي نفع لم يتعرض لأبسط المساءلات.

ألا تستحق أن تقلق يا أخي المواطن لأن بسيارة أحدهم كراتين ومنشورات وعصاة أو قنوة أو سمها مضاد طائرات حول على تهمة ” أيضا بتجيبه كتاف” ومهما كان موقفك اتجاهه “الله لا يرده أو بستاهل أو والله مظلوم” بينما من غدروا بالشهيد الضابط عبد الله الدعجة وهو يسعف المصابين في موقع عمله لا أحد يعرف عنهم أي شيء حتى الآن.

ألا تستحق أن تقلق يا شريكي في الوطن لأن أحدهم هتف هتافا يفسر على أنه يطال رأس النظام قد “غفّ” من وسط الإعتصام بينما دعاة الفتنة والعنصرية والكذب والجاهلية أصبحت لهم منابر رسمية وأصبح صوتهم النشاز أمرا عاديا واستغرابه مستغرب وصار كل هتافهم ضد الوطن والمواطن.

ألا يدعوك لأن تقلق أن ترى سهولة تحويل العشرات إلى المحاكم وبتهم تصل إلى المؤبد وعشرات السنين ضمن الأشغال الشاقة بينما من أغلق الطرقات وشارع المطار وكسر الممتلكات العامة لأنه يعترض على قانون البلديات “كان هظاك يوم وهاظ يوم”.

ألا تقلق لأن تحريك تهمة لمواطن لأنه سرق علكة بعشرة قروش أو بليرة من قبل إحدى الشركات، أسهل وأبسط من مطالبة الشعب منذ سنين بمحاسبة الفاسدين وبل حتى فتح ملفات الفساد.

ألا تقلق بأن تصبح المؤسسة القضائية والتي هي صمام العدل في هذا الوطن فقط أداة بيد البعض فتحاسب من يشاء وتحاكم من تشاء؟

ألا يدعوك هذا للقلق من أجل وطنك بأن يصبح الحساب والإدعاء فيه مزاجا ومصلحة ورغبة وشأنا لمجموعة خاصة، ألا يهدد هذا الوطن ويمضي في سرقته أكثر وأكثر.

 

مشكلتنا ليست في مسدس عبد الله محادين، أو هتاف فادي مسامرة، أو في تصريحات زكي بني إرشيد، أو في مكتب محاماة أحمد عبيدات، أو في كوبونات نفط ليث شبيلات، أو تخبيصات الحراك أو في تعزية مجموعة من الإسلاميين في الزرقاوي أو في وقوف بعض اليسار مع بشار الأسد.

مشكلتنا أننا لا نريد أن نرى مشكلتنا.

حفظ الله الأردنيين.

 

 

 

الحياة البرلمانية الجزء الأول…أصل الحكاية

 نعود الآن بصفحات التاريخ إلى الوراء لنعرف حكاية الحياة البرلمانية، فقد كان ملخص ما كتب في الصفحات أنه في 23-3-1923 أعلنت الإدارة البريطانية استعدادها لمنح إمارة شرق الأردن الإستقلال السياسي على أن تكون حكومتها دستورية وهذه تعني وجود مجلس نيابي محاسبة أمامه، وبناء على هذا اتخذ الأمير عبد الله وحزب الإسقلال الذي كان مشكلا للحكومة قرارا بتشكيل لجنة شعبية مهمتها وضع قانون عام لانتخاب مجلس نيابي للإمارة.

 

عقدت أولى جلسات اللجنة الشعبية في تاريخ 14/7/1923 بدار بلدية عمان، وكانت آلية اختيار أعضائها بواقع عضوين عن كل مجلس بلدي وكانت اللجنة برئاسة إبراهيم هاشم وكيل الأمور العدلية –أي وزير- وعضوية كل من: سعيد خير، شمس الدين سامي، علي خلقي الشرايري، علي نيازي التل، محمد الحسين، سعيد الصليبي، زعل المجالي، علي الكايد، محمد العطيات، إبراهيم جميعان،  إبراهيم الشويحات، وكان أول أعمال اللجنة تدقيق المضابط الإنتخابية.

 

أنجزت اللجنة الشعبية مهمتها الموكلة بها وقدمت (لائحة قانون انتخاب النواب في منطقة الشرق العربي) وعبارة الشرق العربي كانت تطلق على الحكومة وقتها التي تسمى بحكومة الشرق العربي والجريدة الرسمية وقتها كانت تسمى بجريدة الشرق العربي.

 

كانت بنود لائحة القانون كما يلي:

 

-تقسم إمارة شرق الأردن إلى ثلاث دوائر انتخابية هي دائرة عمان وتشمل مقاطعات عمان والسلط ومادبا ومركزها عمان، ودائرة إربد تشمل إربد وجرش وعجلون، ودائرة الكرك وتشمل الكرك وطفيلة، وقد يتساءل البعض وأين معان والعقبة؟ الجواب أنهن لم يكونا قد ضما بعد لحدود إمارة شرق الأردن  بل كانتا تابعتين للمملكة الحجازية التي كان الشريف حسين بن علي ملكا عليها.

-خصص القانون نائب لكل ثمانية آلاف ناخب من الذكور.

-يحق لكل أردني أتم العشرين من عمره الإنتخاب بشرط تمتعه بالحقوق المدنية وتعني أنه مواطن شرق أردني لأنه حتى ذلك الوقت قانون الجنسية لم يكن قد أقر بعد.

-اشترطت اللائحة بالمرشح النيابي أن يكون من مواليد إمارة شرق الأردن وقد أتم الثلاثين من عمره وعرف القراءة والكتابة واستثني من الترشح شيوخ ورؤساء العشائر.

-منع القانون الجمع بين الوظيفة الحكومية والنيابية باستثناء الوزراء.

-مدة المجلس النيابي تحدد بأربع سنوات.

 

ولكن بعد كل هذا الجهد تم رفض اللائحة من قبل السلطات البريطانية وذلك بهدف إحكام سيطرته على الإمارة وفق مخططاتها وخصوصا خوفا من تشكل مؤسسة دستورية شعبية قادرة على مواجهة السيطرة التي تمارسها الإدارة البريطانية على الإمارة وهذا ما سيحرج بريطانيا أمام المجتمع الدولي ويضعها أمام مسؤوليتها الدولية في الإعتراف بالتطور السياسي والإداري في البلاد وهو ما ينعكس في النهاية على تحديد صلاحيات الإنتداب.

 

*المعلومات الواردة نقلت بتصرف من كتاب الدكتور عصام السعدي تاريخ الحركة الوطنية.

شغف الأردنيين للتعلم

خمسون عاما يمر اليوم على تأسيس الجامعة الأردنية، “شغف الأردنيين للتعلم” كما وصفها رئيس الجامعة السابق الدكتور خالد الكركي، خمسون عاما يمر على اختيار رئيس الوزراء وصفي التل مستنبت وزارة الزراعة ليستفاد منه في تأسيس كلية للزراعة لتساهم في تطوير القطاع الزراعي وليكون اليوم موقعا للمستنبت العلمي الذي سمي بالجامعة الأردنية.

 

في مثل هذا اليوم اتخذ الملك حسين قرار تأسيس الجامعة الأردنية، وبعد مئة يوم من هذا القرار بدأ التدريس في الجامعة وعين لها مجلس أمناء مستقل وكانت قاعدة وصفي التل رفض التدخل في الجامعة الأردنية وصولا إلى أنه لم يعين نفسه في مجلس الأمناء ولم يعين أحدا من جانبه حتى وزير التربية والتعليم معالي إبراهيم القطان والذي كان له دور في تأسيس الجامعة، فكان دولة سمير الرفاعي أول رئيس لمجلس الأمناء، وهذا ما بقي لعشر سنوات قبل أن تبدأ الحكومة التدخل في تعيينات مجلس أمناء الجامعة الأردنية.

 

العلامة ناصر الدين الأسد الذي كان أول رئيس للجامعة الأردنية يذكر أن النقطة الرابعة وهي جهاز أمريكي استخباراتي كان يتحكم بالأردن في وضع العراقيل في وجه تأسيس الجامعة الأردنية وأن مدير تلك النقطة قد طلب شخصيا أن يتوقف عن العمل لتأسيس الجامعة الأمر الذي دفع الأسد لمقابلة الملك حسين ووضعه بصورة العراقيل بيد أن الملك حسين رحمه الله قال له ” لا تلتفت لأحد وأن علاقتك منذ اليوم هي معي شخصيا وأن الجامعة ستبدأ هذا العام ولن يثنيه عن ذلك كائن من كان ” ويضيف الأسد بأن الجامعة قامت رغم كل الصعوبات بإرداة الملك ورئيس وزارئه وصفي التل الذي كان يرى الحاجة في أن يصبح للأردنيين جامعة يدرسون بها بعد أن كان أغلبهم يسافر إلى مصر ودمشق ولبنان للدراسة الجامعية ويذكر هنا الدكتور عبد الله نقرش أن وصفي التل وظف الجيش الأردني في بناء الجامعة الأردنية.

بدأت الجامعة الأردنية بكلية واحدة هي كلية الآداب وكان عدد الطلاب 167 طالبا وطالبة وقال الملك حسين في يوم الافتتاح الذي كان فيه أول شخص تمنحه الجامعة الأردنية درجة علمية: “وانطلقت كلماتي حارة مؤمنة تعلن باسم الاسرة الاردنية الواحدة تاسيس الجامعة الاردنية فيالاردن الغـــــالي في اليوم الثاني من أيلول عام 1962م ، وهأنذا وبحمد الله اعيش لأشهــــد هذا الاحتفال الباسم بافتتاح الجامعة الغالية ، وأسعد بأن أحمل شهادتها والبس رداءها وشارتها فألف حمدٍ للعلي القادر على كل ما انعم وقدر، وتضم اليوم في جنباتها عشرات الكليات وأكثر من أربعين ألف طالب وفرع لها في مدينة العقبة.

 

اليوبيل الذهبي يمر ليحكي قصص الحركة الطلابية الشبابية التي ولدت في رحم حرم الجامعة، الذي كان ينبض على نبض القلب النازف لجروح الأمة كان في فلسطين أو لبنان أو العراق، فعندما لم يكن في بعض المناسبات والأحداث أحد يخرج كان طلاب وطالبات الجامعة الأردنية يخرجون لا يأبهون بما ينتظرهم من قرارات فصل أو اعتقال، فيذكر التاريخ عندما خرج طلاب الجامعة الأردنية مع الشعب الأردني في هبة نيسان وعندما تحول ملعبها الكبير ساحة لتدريب الجيش الشعبي أبان الغزو الأمريكي على العراق في حرب الخليج عام 1990، ويذكر التاريخ عن الطلاب الذين كانوا في يوم الأحد على مقعد المحاضرة مع زملائهم وكانوا في يوم الإثنين شهداء سقطوا في أرض فلسطين كحال مروان عردنس كيف ولا والقدس ما زالت صورتها حاضرة على شعار الجامعة، ومن عاش في الجامعة الأردنية وكان طالب فيها سيجد أن لحرمها الجامعي روح تنتفض لوطنها وأمتها، فعندما كان الشارع الأردني في هدوئه خرجت الجامعة ترفض غلاء الأسعار وتحارب القبضة الأمنية على مدرسيها وطلابها وحريتها، هذه القبضة التي ما كانت سوى جبل عثرة في نهوض الجامعة واستمرار رسالتها الأمنية، واليوم ومع تحرر الجامعة منها بدأ الإبداع يعود لشوارعها، وبدأ يعود الطلاب شعلة نشاط وخير.

الجامعة الأردنية هي روح الأردن، ونبع شبابه المعطاء والمنتج، ترفده سنويا بآلاف الخريجين في مختلف المجالات، وليس هذا فحسب فهي تهب من منّ الله عليه بالدراسة فيها أن يرى الأردن في قرية صغيرة، فتنوع الطلاب فيها كالفسيفساء يهبك خبرة لن تنالها في أي مكان آخر، وخبرة النشاط اللامنهجي فيها لا تقل عن الخبرة الأكاديمية التي يتحصلها الطالب فيها، فأنا مثلا تخرجت من الجامعة بشهادة في الهندسة لأعمل مهندسا في الشركات الهندسية وأيضا تخرجت من الجامعة بشهادة ثانية لأعمل إنسانا في الحياة.

 

بدأت إدارة الجامعة أخير وضع أهداف لها أبرزها أن تصبح الجامعة من أبرز خمسمئة جامعة في العالم وزيادة الاهتمام بالبحث العلمي المظلوم، واستعادة مستوى التدريس والتعليم فيها والذي أضر به زيادة أعداد الطلاب وأسس قبولهم، وأما عن العنف الجامعي فهو الأرق الذي لا يرحل والكابوس الذي لا يتوقف ولكن آمل أن الاستراتيجية التي وضعت مؤخرا لمواجهة العنف الجامعي أن تكون سببا في الحد منه نسبيا.

 

وبهذه المناسبة الذهبية أدعو طلاب الجامعة الأردنية ممن تخرج أو من زال طالبا، أن يشارك في حملة تدوين هذا الأسبوع لنتحدث عن جامعتنا الأم فنحكي الحب والعواطف تجاهها والأحلام والآمال المعقودة فيها، والخوف والحرص عليها، وحكاياتنا وذكرياتنا فيها، فمشاركتها الذكرى والكتابة هو أبسط مشاعر الفرح معها.

 

الجامعة الأردنية استمدت اسمها من اسم الأردن، فيكبر اسمها باسم الأردن وحلف لها أبناءها أن يعيش الوطن، وهذا ما خطته كلمات الشاعر حيدر محمود في نشيد الجامعة:

المنى عندنا ثوبها اخضر
باسم اردننا اسمها يكبر
فهي رايته و عباءته
وهي شمس غد و بشارته
وهي عيد العلى و نشيد الاباء
ولمحرابها ينتمي الاوفياء
حول رايتها كلنا نلتقي
لنمر الى غدنا المشرق
قد بنينا لها في العيون وطن
وحلفنا لها ان يعيش الوطن
من ذرى مجدها ينهل العلماء
وعلى زندها يتسامى العطاء
فمنابعها راحة للهدى
ومرابعها قلعة للفداء
ساطع فجرها من ثنايا الحروف
خالد ذكرها في ضمير السيوف
عز منتسب لحماها انتسب
و حماها لنا و لكل العرب
والمنى عندنا ثوبها اخضر
باسم اردننا اسمها يكبر

أنا أفتخر جامعتي أنني من أبنائك الطلبة.

 

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.