الاستقلال والإنسان الأردني

يأتي يوم عيد الاستقلال كل عام بنفس الأسلوب ونفس العرض، فترى صفحات الجرائد الرسمية اليومية تتصدر خبر الاحتفال بعيد الاستقلال بصور جلالة الملك ولا اختلاف في الصفحات الأولى إلا بوضعية صورة الملك، الاستعراضات في الشوارع نفسها وقد يكون الاختلاف الوحيد هو أغنية وطنية جديدة ولكنها تغني وتتغنى بنفس الأسلوب والمضمون، نظرة المواطنين لهذا اليوم لا تختلف من عام لعام، صناع الاستقلال هم نفسهم، والصور في الشوارع والتهاني في الصحف لا تختلف مضمونا من عام إلى عام، وأنا هنا لا أعترض ولا أفكر في الاعتراض على تصدر صور جلالة الملك في هذه المناسبة لا سمح الله فأنا لا أمانع أن تصبح صورته على جواز سفري وهوية أحوالي المدنية.

ولكن بين هذه النسخ المتكررة  من أيام عيد الاستقلال على مدى السنوات، والخطابات المصاغة بنفس الفكرة وحتى نوع الخط وحجمه، من أصوات هدير الطائرات نسور سلاحنا الجوي، وخلف أضواء الزينة التي لونت شوارعنا (وهذه مناسبة أن أشكر وبكل صدق رجل الأعمال الأردني النوباني الذي تقدم بهذه المبادرة الطيبة) وكسرت جمود أعمدة الإنارة أتساءل والسؤال يجول بخاطري: أين الإنسان الأردني من كل هذا الحدث؟.

أنا لا أقصدك أنت عزيزي القارئ ولكن أقصد الإنسان الأردني الذي عاش قبل يوم 25/5/1946. ذلك الإنسان الذي عاش على هذا الوطن وكان من أول مكوناته. أسأل أين كان من كل هذا؟

سؤال جال بخاطري لإني تفكرت في معنى عيد الاستقلال، فهو عيد لذكرى استقلالنا، والاستقلال يعني التخلص من الاحتلال ووجود الاحتلال يواجهه رفض شعبي فطري. وكلامي سابقا هو صحيح إلا إن خالف الشعب الأردني الذي نتغنى دائما بنشميته نواميس الشعوب وكان راضيا بهذا الاحتلال البريطاني، أو أن الاحتلال البريطاني كان لطيفا خفيفا عفيفا شريفا لا يخرج عليه أي أردني ولا تحدث مقابله أي انتفاضة شعبية بينما هب الأردنيون على حكومتهم في هبة نيسان عام 1989.

ما أحاول أن أتشرف بفعله في هذه الأسطر المعدودة أن أجد حيزا ومكانا مع علمي أنه غير كاف للإنسان الأردني الذي قدم من أجل هذا الاستقلال وهذا هو جهد المقل، أحاول أن أجد بين كلماتي ذكرا للإنسان الأردني الذي نسيته صفحات الجرائد الأولى، والملاحق الخاصة بعيد الاستقلال، أن أبحث له عن نغمة على السلم الموسيقي للأغاني التي تتغني في هذا اليوم، أن أجد لجبهته وجودا بين الوجوه التي تتصدر الشوارع، ولبريق عينيه المتلألئتين نورا خلف أنوار الإضاءات التي ملأت الشارع.

عن ماذا وماذا ستتسع أسطري؟ وعن ماذا وماذا ستحدثكم؟ هل ستتسع لتروي لكم حكاية ذلك الأردني الذي خرج إلى سوريا ليدافع عن استقلالها فاستشهد في معركة ميسلون؟ أم عن مؤتمر السلط الذي عقد قبل تأسيس الإمارة وطالب بعدم ضم الأردن للانتداب البريطاني في فلسطين؟ أم أحدثكم عن مؤتمر أم قيس الذي طالب إن وقع الاحتلال البريطاني أن يقع على كامل البلاد العربية السورية لكي تحافظ على استقلالها؟ هل سمعتم عن المظاهرات التي خرجت في عجلون قبل تأسيس الإمارة رفضا لقرار التقسيم وفرض الانتداب على شرق الأردن؟ هل قال لك أحد عن الإضراب العام الذي حصل في إمارة شرق الأردن عام 1922 رفضا لقرار الانتداب البريطاني؟ ولا أظنك سمعت عن حزب ضباط شرقي الأردن الذين أقصوا من الجيش بأوامر من القيادة البريطانية؟

ولم يعلمنا أحد عن المظاهرات الطلابية التي خرجت عام 1928 في إربد تنادي بسقوط الحكومة رفضا للاتفاقية الأردنية البريطانية والتي لحقها إضراب عام لأيام في السلط ومظاهرات في الكرك ومعان، ولم تحدثنا الكتب الدراسية ومناهجنا المتقدمة عن المؤتمر الوطني الذي شكل لجنة تنفيذية واجهت الانتداب البريطاني على الأردن وحاربت قوانينه التي فرضها عبر الحكومات، ولن تتسع السطور للحديث عن مؤتمر أم العمد عام 1936 وقرر فيه المضي مع الثورة الفلسطينية واتخاذ الخيار المسلح من أجل التحرر والاستقلال، فكانت المظاهرات في عمان وقطع خطوط الاتصالات البريطانية وتفجير أنابيب النفط ولن تجد طبعا في كل الجرائد أي ذكر للثورة الأردنية التي رافقت الثورة الفلسطينية عام 1937 إلى عام 1939.

ما ذكر أعلاه جزء يسير لن تجده بسهولة ولن تبذل الدولة أي جهد لكي تعلم به، لن أفكر كثيرا في السبب ولكن كلما مرت ذكرى عيد الإستقلال يعاودني السؤال أين الإنسان الأردني من تاريخنا؟ أين هذا الإنسان من الصفحات الأولى للجرائد والصور والأضواء في الشوارع؟ ربما ضاقت تلك الرحاب عليه لكن قلبي الصغير وهذه الأسطر تحاول أن تقدم رغم ضآلتها حيزا لهذا العملاق.

وهكذا تمر علينا كل سنة هذه المناسبة بفعاليات كرنفالية ومهرجانات فانتازية تعزز المتعة للحياة الوردية وتصرف الأنظار عن ما وراء الطبيعة من تاريخ وتتجاهل هذا الإنسان الذي وجد على هذه الأرض.

أطلت الأسطر فقط ليزيد الحيز لهذا الإنسان الأردني ولأختم مذكرا أن الاستقلال هو فقط البداية.

Post a comment or leave a trackback: Trackback URL.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: