أرفع القبعة للنظام

هذه كلمات أكتبها ليس تملقا، أو تراجعا عن موقف، أو حتى انتقادا لجهة محددة، أو جلدا للذات، أكتبها كمواطن أردني شاب يعيش على ثرى الوطن الطاهر، أحاول أن أزيح كما هائلا من الخواطر التي جالت في حلقات كوكبي، لا أريدها أن تبقى دائرة حولي هنا فقط فلعلها انتقلت إليك وصار فلكها أوسع أو رأت مكانا تسقط فيه كحال المذنبات وآمل أن لا يحرقها الغلاف الجوي المتشكل حول أفكارك.

ما دعاني لأن أبوح بهذه المقالة هو ما رأيته اليوم في مناقشة التعديلات الدستورية، وأنا قد أكون ممتلكا لرأي خاص بي تجاهها لكنني لا أقبل أن تناقش هذه التعديلات دون أن أفكر في أن أستمع للمناقشات التاريخية بين النواب والتي لن تتكرر إلا في محطات تاريخية محددة فهذا استحقاق كيفما وصفته يحدد المستقبل.

ظننت أن النواب سينطلقون وقد يستعرض البعض عضلاته مع قرب الانتخابات النيابية في العام القادم فيتوجه البعض إلى المادة السادسة والتي دار جدل حول إضافة الجنس إلى العرق والدين، وبانتظار ابتداء الاستعراضات تفاجأت بمنع مناقشة النواب لهذه المادة والسبب قرار المجلس العالي لتفسير الدستور في عام 1974 القاضي بأن من صلاحيات مجلس النواب أن يناقش ويعدل ما تقدم الحكومة على تعديله من المواد، وعليك أن تتخيل يرعاك الله لو أن الحكومة قررت عدم تعديل أي مادة في الدستور المقدم من اللجنة الملكية لكان النواب قد أنهوا مناقشة التعديلات على سدر منسف ولكن الحكومة قد قامت بتعديلات كإضافة كلمات إنشائية اختلف النواب اليوم حولها وأطلقت كلمات وكلمات.

ما حصل جعلني أرفع القبعة الوهمية التي يحملها رأسي وأرفعها إجلالا واحتراما للنظام، وهنا لا تسألني ما هو النظام، أنا بصدق لا أعرف الآن ما هو النظام، النظام عندي هو شخصية أتوق لأعرفه كما تاقت جودي أبوت لكي ترى صاحب الظل الطويل… نعود إلى ما كنت أقول متسائلا: هل كانت تعلم المعارضة أو أي شخصية هذه المعلومة…هل كانت تتوقعها…ومن هنا أصابني سؤال من أين كان يجب أن يبدأ الإصلاح…ألم يكن بالأولى أن نطالب بإلغاء هذا القرار…عقولة عبد الحليم حافظ نبتدي منين الحكاية…نعم من أين نبدأ.

أنا بصدق أعلن أن النظام أدار كل الأشهر التسعة التي مضت بكل قوة وتميز وذكاء، حتى أنني الآن أشفق على  المعارضة فهاهي التعديلات تناقش من ناحية أدبية في مجلس النواب، والمصيبة أنه كله قانوني نعم قانوني، وكما تتلعثم فقراتي هنا تتلعثم أفكاري.

يا أيها النظام لقد أبدعت في إدارة الحراك، وأرى أن الحراك قد ساعدك أيضا، فنحن لا نملك حكومة ومعارضة بل نملك حكومة ومعارضة ومعارضة، فاليوم خرج البعض إلى السفارة الأمريكية وخرج البعض إلى أمام مجلس النواب، بينما النظام يعرف إلى أين يمضي.

حتى الآن المعارضة منقسمة من ناحية الأولويات الإصلاحية وخصوصا في التعديلات الدستورية والهوية الوطنية، فصار هنالك تضارب هل الدستور أولا أم فك الارتباط أولا، أنا شخصيا لم أعد أعرف أن أتخذ قرار هل أقف مع فك الارتباط أم لا، حتى المعارضة منقسمة بينها وأصبحت توجه نيرانها الصحفية صوب أنفسها بعد أن كانت موجهة إلى الحكومة، حتى أن المعارضة لم تعد تمتلك حلا واحد لهذه القضية ولكن النظام لديه الحل ألا وهو اللا حل، وهو قرار مدروس جدا أدى إلى أن يتمترس العديد من الناس حوله بأن لا يشاركوا في الحراك.

نعم نجح النظام في استيعاب المعارضة وحراكها بكل تميز بأن تركهم يرفعون السقف كما يشاؤون فصار هدف البعض وإنجازهم رفع سقف الخطاب بدل تقديم أي حلول أو حتى التفكير بخطوات مجدية، فكان لهم سقف الخطاب المرتفع وللنظام ما يريد، فلم يبطش بأي أحد ولم يعط لهم الفرصة بأن يكونوا أبطالا بعين أحد بل تركهم يفرحون بالسقف المرتفع ووجه بوصلة الإصلاح كما يريد، فلكم الهتاف وله الدستور.

وما دعاني أن أكتب وأفرغ بعضا من قهري هو الغياب الواضح للجبهة الوطنية للإصلاح وكنت مرة قد انتقدت اختيار دولة أحمد عبيدات لكي يتفرد هو بالإجماع الوطني مستشهدا بالمثل القائل “لا تضع بيضك في سلة واحدة” والدليل أنه في الفترة الأولى من تشكيل الجبهة أمضى دولته فترة طويلة في العلاج مما أعاق عمل الجبهة وعطلها وحتى الآن الجبهة لم تقدم التعديلات التي وعدت بها في منتصف رمضان أن تكون جاهزة بعد أسبوعين.

إنني أشفق على نفسي وعلى كل شخص بذل وقته ليخرج في وقفة أو اعتصام أو مسيرة ليطالب بالإصلاحات ليس لأنه أضاع وقته أو اكتشف أنه مغبون ولكن لأنه وبصراحة لا أعلم ماذا جنى الحراك حتى الآن، بصدق ماذا جنى التفت للتقليد أكثر من توحيد الرؤى وتوسيع دائرة المشاركة، وأنا أقول هذه الكلمات أملا أن تصبح دائرة التفاعل أكبر وأوسع، وأنا لا أدعو لعدم الاستمرارية ولكن أريد الفعالية.

ارفع لك القبعة يا نظام بأنك تعرف مفاتيح الإصلاح أكثر من المطالبين به، تخبئها عندك وتعرف متى تستخدم هذا المفتاح أو ذاك والمعارضة لا تملك إلا مفتاح سبير واحد تحتار أي باب تفتحه أولا، احترمك يا نظام أنك جلبت حكومة البخيت مرة أخرى ومع كل السخط الذي رافق عودته إلا أنه لم يرتق للسخط الذي الذي واجهته دولة سمير الرفاعي.

أرفع لك القبعة يا نظام لأنك توجهنا كيفما تشاء، حتى أننا لا نعرف من أنت.. نعم لا أعرف من أنت خرج الكثيرون ولكن الآداء لم يتوقف، حتى  أنني أصبحت أرى أن النظام هو عبارة عن أيدولوجيا يذهب الأشخاص ويأتي غيرهم وتبقى هي راسخة، تحل فيمن تحل فيه وترحل عمن ترحل عنه، ولا أعلم هل تستخدم عصا سحرية أمام معارضيك.

أرفع لك القبعة يا نظام لأنك نجحت في إدارة عقل اللاوعي عند الكثيرين فزرعت فيهم بعض القيم والعادات التي أصبحت عندهم من المسلمات وأصبحت طبيعية تعيش فيهم، وأرفع لك القبعة لأن كل حالات الفساد حتى الآن لم تظهر أنها غير قانونية بل فقط غير أخلاقية فصرت هائما أتساءل من أين الفساد.

اليوم بدأت مناقشة التعديلات الدستورية كما يريد النظام، وانقسمت المعارضة كما يريد أيضا النظام، ولكنني أنا لا أريد إلا الإصلاح ليس من أجل حركة أو حزب أو حراك…بل من أجل الأردن وليس ذنبي إن كان المطالب ضعيفا أو جاهلا.

 

دمتم بود

Post a comment or leave a trackback: Trackback URL.

تعليقات

  • Hala Ghattas (@Hallouleh)  On 2011/09/15 at 12:59 م

    هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية، لحظة أن نرى شبابنا يمتكلون من الوعي السياسي ما يكفي ليعرفوا ماذا يريدون، وممن يجب أن يطلبوه. أكثر من رائع

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: