أردن يا وطنا

اليوم استقللت السيارة فوجدة فيها سي دي عمر العبدلات الجديد هوانا هاشمي، دعاني الفضول الغنائي لسماع محتوى السي دي الذي لا أعرف منه إلا زفتنا التي هي عبارة عن وصلة تراثية لأغاني الأعراس، شغلت السي دي وبدأت بسماعه فوجدت أن ذوقي لم ينجذب لأول سبعة أغاني اللواتي رأيتهم تقليديات والبنك الأردني للأغاني الوطنية مليء بأمثالهم -طبعا مع كل الاحترام لكل ما تتحدث عنه الأغاني والفن أذواق عشان ما حدا يفهمني غلط لا سمح الله- فانتقلت إلى الأغنية التالية التي هي زفتنا التي أشرت لها سابقا ولأني حافظها حولت لآخر أغنية في السي دي والتي من بدايتها شعرت أنها مختلفة، تبدأ الأغنية كأنها معزوفة على تخت شرقي تشعر فيه بالعراقة وتطالعك بكلمات أبدعت في كلماتها الحس الشعري الذي يملكه الأستاذ حيدر محمود، ومع أغنية أردن يا وطنا بدأت تجول في مخيلتي خواطر وطنية.

-ركبت آلة الزمان ورجعت بذكرياتي إلى الصف العاشر أ في حصة التاريخ والتي كان وقتها كتاب التاريخ بعنوان تاريخ العرب الحديث أو المعاصر على ما أظن وكنّا ندرس في وحدة التي تتحدث عن حركات التحرر العربي من الاستعمار والتي غطت بشكل شمولي تقريبا نضال الدول العربية للتحرر من الاستعمار الغربي، يومها رفعت يدي مستأذنا من الأستاذ يوسف “كان الأستاذ يوسف من الشوبك وكان دائما صاحب مقولة شهيرة: على الشوبك دندلي ثوبك ” وسألته: أستاذ بصراحة بدي أسأل سؤال وأتمنى تجاوبني وما تفهمني غلط، قلي تفضل، قلتله: أستاذ يعني اللي بقرا كتاب التاريخ وبشوف العرب كيف قاوموا الاستعمار الغربي إجا ببالي سؤال يعني معقول إحنا الأردنيين ما قاومنا الاستعمار الإنجليزي؟! ، سكت الإستاذ وقال: بناء على الكتاب وبما إنه مش جايب أي سيرة عن الأردن فمعناه إنه إحنا ما قاومنا الإستعمار الإنجليزي، بس بالحقيقة كانت في مقاومة للإستعمار الإنجليزي بس هم ما بدهم إياك تعرف إنه كان في.

هنا أقف مرة أخرى ولكن ليس في الصف العاشر كطالب، بل أسأل كمواطن أردني:

-لماذا علي أن أقرأ رواية الطنطورية أو أشاهد وثائقي النكبة الذي أعدته الجزيرة لأكتشف اسم محمد بيك الحنيطي الذي كان آمر حماية يافا والذي ذهب للبنان لتوفير السلاح لحماية يافا وقرر أن يسلك طريقا غير آمن لكي لا يتأخر على يافا –التي تأخرنا عليها كثيرا- فسقط شهيدا في كمين أعدته العصابات الصهيونية.

-لماذا لا أسمع عن راشد الخزاعي الفريحات إلا من مدونة كتبها أخوي فراس خليفات، وعندما رجعت إلى الويكيبيديا وجدت ما وجدت عن تاريخ حافل لهذه الشخصية التي كانت تأوي الثوار العرب وكل من كان مضطهدا في بلده وهاربا من الظلم.

-حتى وإن ذكر في كتبنا الدراسية كانت تمر المعلومات على استحياء كما حصل مع الشهيد كايد مفلح عبيدات والشيء الوحيد الذي جاء مع اسمه “أول شهيد أردني على تراب فلسطين”، وكأن التوسع في سيرة حياته والاستطراد فيها عبث قد يشوش ذهن الطالب، بينما تجد شخصيات وطنية أكن لها كل الاحترام يفرد لها وحدات كاملة في بعض مناهجنا وانا لا أريد أن تشطب هذه الوحدات من المنهاج ولكن أريد اسما في تاريخنا ككايد مفلح أن يعيش في حياة طلابنا.

-سؤال سألته لمدرس التربية الوطنية في الجامعة الأردنية: دكتور ليش أفردت وتحدثت عن معاهدة وادي عربة أكثر من ما تحدثت عن معركة الكرامة. فأجابني: يا ابني بدناش نظل نضخم بمعركة الكرامة ما هي ما قعدت يوم واحد. والله عجائب وازدواجية في المعايير، فللأسف قد ترى في منهاجك أن مشروعا قد حاز شرحا وعدد صفحات فاق عدد الصفحات المتواضع الذي قد يكون أفرد لمعركة الكرامة وكأنها حدث عادي طارئ عاشه الأردن.

-لماذا علي أن أشاهد برنامج يتحدث فيه ضابط سوري سابق عن تجربته في حرب تشرين أو ما يسمى بحرب أكتوبر على قناة أورينت لأعلم فيها أنه لولا كتيبة الدبابات الأردنية لدخل اليهود دمشق من الجهة الغربية، وعندما رجعت إلى الويكيبيديا كانت أول مرة أعلم فيها عن ثعلب الدروع خالد الهجوج المجالي “الذي لعن أبو الدبابات الإسرائيلية في القنيطرة وجعلها مقبرة للدبابات الإسرائيلية”.

-لماذا علي أن أشاهد برنامج زيارة خاصة لسامي كليب على الجزيرة لأتعرف إلى شخصية كامل الشريف الذي كان يقود كتائب المجاهدين في 48 والذي قاوم الاستعمار البريطاني في السويس وكان من مؤسسي جريدة الدستور ونال أرفع الأوسمة من الملك حسين رحمهم الله.

-لماذا في مصر تشعر أن هنالك توعية وتعزيز للشخصيات الوطنية التاريخية مثل طه حسين والعقاد بينما عندنا في الأردن شخصية مثل ناصر الدين الأسد كان إن ناظر طه حسين لا يقل عنه قوة ولا حجة لا تسمع عنه إلا خبرا بسيطا في أحد الجرائد ولا نعلم أنه كان من مؤسسي الجامعة الأردنية، وهذا مثال من الشخصيات الوطنية التي لا تجد لها ذكرا في أي كتاب دراسي إلا في الجريدة كخبر “تكريم الأستاذ ….. أو اليوم تمر الذكرى السنوية لرحيل ….”.

-لماذا علي أن أشاهد برنامج مع هيكل على الجزيرة لأشعر بعظم حركة تعريب الجيش والتي قادها ضباط أحرار مثل الحياري وأبو نوار والتي لشدة وطأتها ظن جمال عبد الناصر أن القرار اتخذ من الجانب البريطاني.

-لماذا الشماغ وأغاني عمر العبدلات والسقار والسلمان والمنسف والفيصلي أصبحت مرتبطة بعقل الوعي أو اللاوعي أكثر من تاريخنا “مع التأكيد على اعتزازي بالشماغ وعشقي وإبداعي في أكل المنسف،بس لأني بديش حدا يفهمني غلط لا سمح الله”.

-لماذا علي أن أكتشف في المناهج القديمة أنه كان هنالك نشيد العلم الذي كانوا ينشدونه في طابور الصباح الدراسي وأين انقرض واختفى؟.

هذه الخواطر هي نقطة في بحر مداد تاريخنا الأردني، والذي أسأل هنا لماذا أعين وآذان وذاكرة الأجيال محرومة أن تقرأ هذا التاريخ، هل سيكون له أثر سلبي، أم أنه ليس من المصلحة الوطنية، أم أنه لا يستحق الذكر أو قد لا يتعدى أن يكون خرافة.

أطالب “زي اللي عنجد ” بأن يكون هنالك إعادة لكتابة التاريخ الأردني في المناهج الدراسية والجامعية يدرس للطلبة ويحيي بهم ربط الأردن بهويته العربية والإسلامية والإنسانية لا أن يعامله كأنه طارئ على الكرة الأرضية.

أنا لست من أنصار نظريات المؤامرة ولكن الإجابة السابقة على خواطري لم تكن إلا المؤامرة هي الجواب الشافي له.

دمتم بود، وأترككم مع كلمات قصيدة أردن يا وطنا:

أردن يا وطن

أردن يا وطن للسيف والقلم .. من اول الدهر يجري فيك خير دم
ما في ترابك لا ماس ولا ذهب .. لكنه واحة للجود والكرم

يا خيمة اللغة الفصحة ونخلتها .. من لا يراك بعين القلب فهو عمي
لو انصف الناس طافوا حول قلعتنا .. على الرموش وباسوها بكل فمي
إنا نحبك بحرا ميتا وصخورا صلبة وزمانا طائل القدم
إنا نحبك في حاليك مبستما أو نصف مبستم أو غير مبستم
أردن يا وطن للسيف والقلم .. من اول الدهر يجري فيك خير دم
ما في ترابك لا ماس ولا ذهب .. لكنه واحة للجود والكرم

أردن أردن يا سيفا لأمته .. مجردا ونشيدا رائع النغم
لولاك لأنتهت الفصحى التي شرفت .. بالذكر والشعر وأختالت على الأمم
إنا نحبك بحرا ميتا وصخورا صلبة وزمانا طائل القدم
وأنت أول دنيانا وآخرها .. ونحن من صان نبض الحرف والكلم
أردن يا وطن للسيف والقلم .. من اول الدهر يجري فيك خير دم
ما في ترابك لا ماس ولا ذهب .. لكنه واحة للجود والكرم

http://www.4shared.com/get/q1YrAXTn/09_Track_9___.html

Post a comment or leave a trackback: Trackback URL.

تعليقات

  • ضياء اشتية  On 2011/09/02 at 5:59 م

    أكثر ما يضايقني هو حالة التهميش التي مورست على حقبة الحكم التركي لبلاد الشام أجمع، والتي اقتصرت في ذهن العرب حديثا بمسلسلات باب الحارة وما يشبهها، رغم أن هذه الفترة كانت زاخرة (لمن أراد أن يبحث بعمق) بشخصيات وطنية عربية وثورات ضد الظلم والجور ونهضة ثقافية حضارية تنويرية،، يجب أن يكتب التاريخ بحيادية بعيدا عن حساسية نشوء بلادنا القطرية الحديثة.

    استهلال طيب دمت بود.
    ضياء اشتية

  • خالد الكيالي  On 2011/09/02 at 6:32 م

    هناك غسيل بطئ للعقول و على درجات … و تراه في كل مكان … لدرجة انك لم تعد تلاحظ الأصل ..

  • mohammad Zeidan  On 2011/09/02 at 8:23 م

    مقال رائع وبداية رائعة تيسير، كعادتك تحب المفاجآت،
    ننتظر كتابات أكثر تيسير،
    أبيش أحلى من أبيش

  • محمد  On 2011/09/02 at 9:04 م

    صح لسانك يا تيسير

  • Shatha Barqawi  On 2011/09/03 at 12:29 ص

    تاريخ مغيب عنا ما يذكر منه أيلول الأسود, كتير شخصيات اعرفتها من تدوينتك.
    وبالمناسبة انا مرة سألت معلمة التاريخ انه ليه دايما بالمسلسلات السورية في حرب مع الفرنساوي واحنا لأ؟
    حكتلي احنا كان استقلالنا سياسي!!!
    طبعا كنت بالصف السابع ولا الثامن وما فهمت شي…

  • Madi (@jadmadi)  On 2011/09/12 at 2:07 م

    اتفق معك في كثير من التفاصيل, التاريخ الاردني مغيب ومربوط باغاني لمجموعه مطريبين من نفس المدرسه “الفنيه” ومع الاسف ان الكثير من الاغاني التي عاصرتها (وانا لا اكبرك بالكثير, 10او 12 سنه) اختفت مع جمالها.
    طبعا الموضوع ليس الاغاني وليس الكتب (والتي في اغلبها متوفر) الموضوع في آليه ناظمه لبناء الهويه الاردنيه.

    بالنسبه لموضوع “الانتداب الانجليزي”, فقد كانت شرق الاردن تحت انتداب (أ) تحت مظله عصبه الامم والذي ضمت مناطق كانت تحت الحكم العثماني وكانت قريبه من القيام بالحكم بنفسها ولكن تحتاج لعض المساعده. طبعا بالنتيجه قلل هذا من اعداد الانجليز في المنطقه, غير ان اسلوب التعامل كان مبني على النهوض بالحكومات الموجوده للقيام بداره نفسها بنفسها.
    طبعا هذا قلل فرص الاحتكاك ولم يلغيها, لغايه ظهور وتتطور الحركه الصهيونيه.
    بشكل عام, كان اسلوب الانتداب الانجليزي انعم من الاسلوب الفرنسي ومقبول من الكثيرين بذلك الوقت كحل لمشكله.
    طبعا الكلمات لها معاني, ووضع كلمه استعمار في السؤال ستغير منهجيه التفكير عن وضع كلمه انتداب, بالذات اذا فهمت في سياقها التاريخي.

  • نتائج معاهدة وادي عربة  On 2011/10/17 at 10:01 ص

    طبعا من الجدير بالذكر هنا، إظهار دور معاهدة وادي عربة التي بموجبها أقر الأردن أن الارتباط بالكيان الصهيوني يعلو على أي ارتباط آخر.

    تنص الفقرة 5 من المادة 25 من المعاهدة على أنه “يتعهد الطرفان بعدم الدخول في أية التزامات تتعارض مع هذه المعاهدة”، في حين تورد الفقرة 6 من نفس المادة أنه وفي “حالة تعارض بين التزامات الطرفين بموجب هذه المعاهدة وأي من التزاماتهما الاخرى، فان الالتزامات بموجب هذه المعاهدة ستكون ملزمة وستنفذ”، فيما تنص المادة 26 على ما يلي: “يتعهد الطرفان خلال ثلاثة أشهر من تبادل وثائق التصديق على هذه المعاهدة بتبني التشريعات الضرورية لتنفيذ المعاهدة ولانهاء اي التزامات دولية والغاء اي تشريعات تتناقض مع هذه المعاهدة”. بينما تنص المادة 11 على التعهد بالامتناع عن القيام ببث الدعايات المعادية، واتخاذ كافة الاجراءات القانونية والادارية التي تمنع انتشار مثل تلك الدعايات من قبل اي تنظيم او فرد.

    أي كل من المناهج والبرامج والطروحات التاريخية والسياسية للحكومة الاردنية وما يتبعها كان يجب عليها حكما أن تسقط أي بعد مقاوم ووطني من كل كناهج وطروحات وسياسات واستراتيجيات الحكومة مما أنتج كل ما نعاني منه الآن

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: